محمد بن أحمد الفاسي

158

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

وكانت وفاته بالمهجم من بلاد اليمن وقبره بها معروف يزار ، عند الرباط المنسوب إلى الشيخ أبى الغيث . وذكره الخزرجي في « تاريخه » . وأما مولده ، فذكره ابن النجار ، أنه سأله عنه ، فقال : أخبرني والدي أنه في شهر رمضان سنة ست وثلاثين وخمسمائة ، وذكره هكذا غير واحد ، منهم المنذري ، وذكر أنه كان يقول : إنه من همدان ، القبيلة المشهورة ، وذكر أنه اشتعل بالأدب ، وحصل طرفا حسنا ، ومن شعره [ من الوافر ] : أطرف العين ما لك لا تنام * عسى طيف يقرّ به لمام فتنقع غلّة وتسب لبا * وتشفى من أضرّ به السقام تقضّت بالمنى أيام عمرى * وأخلق جدّتى شهر وعام ولى أرب لو انّ الدهر يوما * يقرّ به وينسانى الحمام لروض ما تصوّح من شبابي * وأضحى الشّيخ وهو به غلام أخبرني المسند ناصر الدين محمد بن محمد بن داود بن حمزة المقدسي ، قال : أنبأنا العلامة أبو عمرو عثمان بن محمد بن عثمان التوزرى ، عن أبي الحسين يحيى بن علي الحافظ ، قال : سمعت الشيخ الصالح العارف الزاهد ، أبا عبد اللّه محمد بن لب بن أحمد الأنصاري الأندلسي الشاطبى ، صاحب الشيخ أبى الحسن بن الصبّاغ ، رضى اللّه عنهما ، يقول : سألت صاحبا لي بمكة شرفها اللّه ، وكان رجلا صالحا من المجاورين ، من أهل المغرب : أنت إذا فاتتك الصلاة خلف إمام المقام ، تصلّى خلف البرهان ؟ يعنى الحافظ أبا الفتوح بن الحصري ، إمام الحنابلة ، فقال : قد كنت أتوقف عن ذلك ، حتى رأيت في المنام كأني على شاطئ نيل مصر ، وقد حضرت جنازة ، فقال لي من حضر : تقدم فصلّ عليها ، فقلت : لا أصلى حتى أعرفه ، فكشفوا عن وجهه ، فإذا هو البرهان إمام الحنابلة ، فقلت : لا أصلى عليه ! فبينا نحن كذلك ، إذ أقبلت جماعة عليهم نور عظيم ، فإذا فيهم النبي صلى اللّه عليه وسلّم وأصحابه حوله ، فقال لي صلى اللّه عليه وسلّم : تقدم فصل عليه ، فإنه ليس منهم . فصليت عليه . قال : فلما أن رأيت هذا المنام ، زال ما كان في قلبي ، وصرت أصلى خلفه . هذا معنى كلام الشيخ الشاطبى ، حكاه لي بجامع عمرو بن العاص ، رضى اللّه عنه بمصر ، في ثلاث وثلاثين وستمائة ، وعلقت عنه هاهنا من حفظي ، واللّه ولى التوفيق . انتهى . وهذه الحكاية فيها منقبة لأبى الفتوح الحصري .